الاحزاب السياسية وعقلية الوصاية

من حيث المبدأ لحزب سياسي الحق في ان يدافع عن حرية التعبير حسب رؤيته الخاصة لها و لكن هناك عديد النقاط التي تبعث على القلق في تبرير الاحزاب التي تدعي الحداثة لمواقفها المتحيزة لقناة نسمة وحقها في التعبيرمما لا يبشر بمستقبل سياسي واعد لهذه الحزاب في الاوساط الشعبية ان لم تعدل اوتار خطابها السياسي :

١) الاشارة الى ان حرية التعبير مطلقة في الديمقراطيات الناضجة. هذا غير صحيح بالمرة. في اوروبا عديد المواقف السياسية ممنوع التعبير عنها تحت قانون مكافحة معاداة السامية. بل وصل الامر ببعض الدول ان تجرم وتعاقب بالسجن كل من شكك في المحرقة أو حتى قام بمراجعةأكاديمية تاريخية لعدد الضحايا الذين قضوا فيها. فرنسا مثلا قررت غلق قناة المنار نظرا لمواقف يمكن اعتبارها سياسية من القضية الفلسطينية. المجتمع هو من يضع حدودا لحرية التعبير ويقننها و هذا عادة ما يسبق بحوار طويل ومضني داخل المجتمع بغية الوصول الى وفاق حول حد ادنى من الظوابط يسمح باطلاق الابداع الفني دون المساس من الحساسيات. و هذا ما لم يقع في تونس اذ تحررت نسمة دون قيد او شرط في السنوات الاخيرة و خصوصا بعد الثورة من كل الأعراف الأخلاقية للمجتمع التونسي و استباقا لأي حوار وطني حول هذه الظوابط.
هذا التصرف من القناة هو فعلا بمثابة “البلطجة الاعلامية” كما عبر عنه الدكتور سامي براهم ويعكس سياسة القناة في انتهاج خط تحريري دون ان تكترث بثقافة المجتمع، امر غير ممكن في اغلب وانضج الديمقراطيات في العالم بل حتى في الاكثرها تحررا.

٢) الإيهام بان الهبة التلقائية الشعبية ضد الفلم هي مدبرة سياسيا من اطراف معينة لاهداف انتخابية. هذا موقف سياسي في هي شيء من المخاطرة، لانه سيدفع بكل من قام بردة فعل تلقائية و بدون ايعاز من احد نظرا لاعتباره ان الفلم يسيء اى مقدساته الى الابتعاد عن هذه الاحزاب التي نفت استقلاليته. الاحداث فعلا تظهر ان ردة الفعل كانت في غالبيتها تلقائية كما ان هذه الأطراف المزعومة لم تختر توقيت عرض الفلم و انما القناة هي التي اختارت التوقيت. الفشل في تشخيص و فهم مدى حساسية الشعب التونسي للمس من المقدسات (حسب روية الشعب لها) يزيد في عزلة الاحزاب و تعميق الهوة بينها و بين الشارع الذي سينظر لها كأحزاب نخبة لا تقاسمه نفس النظرة لمفهوم الدفاع عن المقدسات و لا تزال تتعامل معه بمنطق الوصاية. من منظور سياسي بحت كان على هذه الاحزاب ان تتفهم موقف الشارع و ان كانت لا تشاطره الرأي فلا يمكن ان نفرض على الناس ان يقبلوا بنفس الحدود لحرية التعبير الذي تقبل به هذه الاحزاب و نخبها.

٣) فشل هذه الاحزاب بان تقر بانه حتى وان آمنت بعلوية فهمها لحدود حرية التعبير مقارنة بالمفهوم الشعبي فانه كان عليها من باب احترام المشاعر وتجنب الاستفزاز ان توجه نقدا للقناة في هذا الشان عوض التركيز فقط على ردة الفعل. فمثلا اختارت القناة ليلة القدر لفتح حوار و قع فيه التشكيك في الوحي و قدسية التنزيل. التوقيت كان غير حضاري بالمرة حتى و ان كان في اطار حدود حرية التعبير
من منظور قانوني بحت.
.و لكن ليس كل سلوك مباح قانونا هو سلوك حضاري او مسؤول.
اذا كانت الاحزاب “التقدمية” ترى ان شريحة كبرى من المجتمع لها ظوابط قاسية على حرية التعبير فعليها بالحوار والاقناع بما ان قدرها في مجتمع حر هو ان تكون قلاعا للديمقراطية ومدارسا للحوار المسؤول، لا ان تنحو منحى الوصاية وفرض الامر الواقع.

ان المواقف السياسية للأحزاب “التقدمية” من قضية فلم بيرسيبوليس تنم عن ازدواجية في الخطاب اذ تدعي الديمقراطية من جهة و تمارس الوصاية و سياسة الاملاء من جهة اخرى. كما انها تكرس في ذهن شرائح واسعة من المواطنين التونسيين قناعة ان هذه الاحزاب لها رؤى مختلفة بخصوص قضايا جوهرية مثل حماية الهوية و الثقافة الوطنية و حدود حرية التعبيروان هذه النخب لا تزال تتعامل مع الشعب بمنطق الوصاية فتسقط تصوراتها قسرا على المجتمع عوض الحوار معه و التدرج معه نحو وفاق يبقى الوصول له شائكا حتى في ديمقراطيات ناضجة في مثل هذه المسائل الجدلية التي يتقاطع فيها الوجداني و الديني مع حرية الفكر و الابداع .

Advertisements

About Khalil Amiri

Financial strategist and former assistant professor in computing. Political activist and commentator on current events.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s